عُرِّفَت الحداثة بأنها منظومة تذهب إلى أن الإنسان لا يحتاج إلا إلى عقله سواء في دراسة الواقع أو إدارة المجتمع أو للتمييز بين الصالح والطالح، فهو الآلية الوحيدة للوصول إلى المعرفة، وأن العلم والتكنولوجيا هما الآلية الأساسية وربما الوحيدة في محاولة تسخير الطبيعة وإعادة صياغتها ليحقق الإنسان سعادته ومنفعته. الحداثة المنفصلة عن القيمة هذا التعريف قد يبدو للبعض تعريفاً جامعاً مانعاً أو على الأقل كافياً، ولكننا لو فحصنا الأمر بدقة أكبر لوجدنا أن الحداثة ليست مجرد استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا، بل هي استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة، أو كما يقولون بالإنجليزية: ”فاليو – فرى Value – free “، وهذا البعد هو بعد مهم لمنظومة الحداثة الغربية، فالعالم المتجرد من القيمة المنفصل عنها هو عالم منفصل عن الإنسان، عالم الصيرورة المادية، حيث يخضع الإنسان لقوانين المادة. ولعله لهذا السبب عُرِّف الإنسان الحديث أنه الإنسان القادر على تغيير قيمة أولوياته بعد إشعار قصير وأنه فى عالم منفصل عن القيمة تصبح كل الأمور متساوية، ومن ثم تصبح كل الأمور نسبية. وحين يحدث ذلك فإنه يصعب الحكم على أي شئ، ويصبح من المستحيل التمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم، بل وبين الجوهري والنسبي، وأخيراً بين الإنسان والطبيعة أو الإنسان والمادة. وهنا يطرح السؤال نفسه كيف يمكن أن تحسم النزاعات والصراعات، وكيف يمكن أن نسوي الخلافات، وهي كلها من صميم الوجود الإنساني؟ في غياب قيم مطلقة، يمكن الاحتكام إليها، يصبح الإنسان الفرد أو الجماعة العرقية مرجعية ذاتها، ويصبح ما تراه في صالحها هو الصالح والخير كل الخير، وما ليس في صالحها هو الطالح والشر كل الشر. وقد أدى هذا إلى ظهور القوة والإرادة الفردية آليةً واحدة لحسم الصراعات وحل الخلافات.
هذه هي الحداثة التي تبناها العالم الغربي والتي تجعله ينظر إلى نفسه على اعتبار أنه هو (وليس الإنسان أو الإنسانية) مركز العالم، وأن ينظر إلى العالم على أنه مادة استعمالية يوظفها لصالحه باعتباره الأكثر تقدماً وقوة، ولذا فإن منظومة الحداثة الغربية هي في واقع الأمر منظومة إمبريالية داروينية. هذا هو التعريف الحقيقي للحداثة كما تحققت تاريخياً، وليس كما عُرفت معجمياً، وهذا هو التعريف الذي يمكننا من قراءة كثير من الظواهر الحديثة. كانت الظاهرة الغربية الحديثة تؤكد أنها حضارة إنسانية (هيومانية) جعلت من الإنسان مركز الكون، وكانت المجتمعات الغربية مجتمعات لا تزال متماسكة من الناحية الاجتماعية والأسرية، ولم يكن كثير من الظواهر السلبية التي نلاحظها بأنفسنا، ونقرأ عنها في صحفهم ومجلاتهم، والتي أصبحت نمطاً ثابتاً وظاهرة محددة قد تأصلت، بل كانت مجرد حوادث متفرقة لا ظواهر دالة، ومن ثم كان من السهل تهميشها. ومن هنا كان دعاة الإصلاح (من الليبراليين والماركسيين والإسلاميين) كلهم ينادون بضوررة اللحاق بالغرب (أي أن نتبنى منظومة الحداثة الغربية). ولم يكن هناك أي أصوات تعارض الحداثة الغربية أو تنتقدها، بل كان الجميع يسبّح بحمدها، وقد كانوا محقين إلى حد كبير في هذا، فشكل الحداثة الذي أدركوه آنذاك كان أمراً يثلج القلوب. ولكن تدريجياً تكشف الوجه الدارويني حين أرسلت الحداثة الغربية لنا جيوشها الاستعمارية لتهلك الأخضر واليابس، وتحول بلادنا إلى مادة استعمالية، ومصدر للمواد الخام، والعمالة الرخيصة، وسوق مفتوحة بشكل دائم للسلع الغربية. ويبدو أن المفكرين الإصلاحيين الأول لم يربطوا بين الحداثة والإمبريالية الغربية، فقد ذهبوا إلى العواصم الغربية ولم يروا سوى النور والاستنارة، في الوقت الذي كانت المدافع الغربية تدك بلادنا دكاً، أما هؤلاء الذين بقوا في بلادهم في آسيا وأفريقيا فقد رأوا ألسنة النيران المندلعة، وسمعوا قعقعة القنابل، وشموا رائحة البارود. تقول أحد كتب التارخ: إنه قيل لأحد الشيوخ الجزائريين: إن القوات الفرنسية إنما جاءت لنشر الحضارة الغربية الحديثة في ربوع الجزائر، فجاء رده جافاً ومقتضباً ودالاً، إذ قال: لم أحضروا كل هذا البارود إذن؟ ويمكن القول أن المشروع التحديثى الغربى مشروع عقلاني مادي، فكان هناك الأمل المادي البطولي في أن تقوم الذات الإنسانية (الغربية) بالاستقلال عن الإله وتغيير الواقع والهيمنة على الطبيعة، وهو أمل يفترض أسبقية الإنسان على الطبيعة أو توازيها معه. وحاولت الفلسفة الغربية في عصر التحديث قصارى جهدها لتأسيس نظم معرفية وأخلاقية تحتفظ بهذا التوازن بين الذات الإنسانية والموضوع الطبيعي/ المادي. وكان التصور أن العقل المادي قادر على استخلاص الكليات من التفاصيل المادية المتناثرة، وأن هذه الكليات تتسم بقدر كبير من الثبات ولذا فهي غير خاضعة للصيرورة المادية، متجاوزة لها، على الرغم من أنها مستخلصة من التفاصيل المادية ولا تشير إلى أي شيء متجاوز للمادة، ولذا فنحن نشير إليها بأنها "الكل المادي المتجاوز". هذا التصور أصبح نقطة ثبات وارتكاز ومركز للمنظومة المادية في عصر التحديث. ولكن إذا كان الإنسان الحديث إنسان عقلاني مادي، أليس عليه أن يتبني رؤية علمية موضوعية مادية؟ وهنا تبدأ عملية تفكيك الإنسان، فالمعرفة العلمية المادية معرفة موضوعية ترفض الغائيات الإنسانية والخلقية، والحقيقة العلمية المادية منفصلة تماماً عن القيمة، والعقل المادي الذي يقوم بعملية مراكمة المعلومات لا يحترم الخصوصيات والأسرار ولا يهتم إلا بالتشابه والتجانس والنفع. وهذه المعرفة العلمية المادية (رغم تجاوزها للإنسان وعدم اكتراثها به) ستطبق على الإنسان لترشيده وترشيد حياته. وهذا يعني أمرين: 1- صياغة حياته وبيئته المادية والاجتماعية في ضوء قيم وأنماط علمية غير شخصية ولا إنسانية. 2- تسيير حياة الإنسان في إطار مكوناته المادية. كل هذا يعنى فى واقع الأمر اختفاء الحدود بين الإنسان والطبيعة/ المادة، وإزاحة الإنسان من مركز الكون، ونزع القداسة عنه تماماً. وبدلاً من ثنائية الطبيعة/ الإنسان، يظهر الإنسان الطبيعي الذي هو الإنسان الطبيعي/ المادي، أي جزء لا يتجزأ من عالم الطبيعة / المادة، وهو أيضاً الإنسان الوظيفي الذي يُعرَّف في إطار وظائفه البيولوجية التي تحكم وجوده ووظيفته الاجتماعية الموكولة إليه. كما تظهر التنويعات المختلفة عليه (الإنسان الاقتصادي – الإنسان الجسماني). نزع القداسة عن الإنسان والطبيعة وقد درس ماكس فيبر ظاهرة الترشيد فى الإطار المادى، أى المنفصل عن القيمة، فأشار إلى أن الترشيد سيزيد من فعالية المجتمع ويعظم إنتاجيته من خلال الإدارة البيروقراطية الرشيدة ومن خلال توظيف الوسائل والآليات فى خدمة الأهداف، أى أهداف. ولكنه أدرك أيضا جوانبه المظلمة فوصف عملية الترشيد بأنها "ديس إنتشامنت أوف ذا ورلد disenchantment of The world" ("نزع السحر عن العالم"). وفعل "ديس إنتشانت disenchant" باللغة الإنجليزية فعل مبهم، فهو يعني "إزالة الغشاوة"، وهو معنى إيجابي بمعنى أن يرى الإنسان الأمور على ما هي عليه. ولكنها تعني أيضا "خيبة الأمل والظن"، وهو معنى سلبي بمعنى أن الإنسان حينما يعرف حقيقة شخص ما، فإن الصورة المثالية المضيئة تسقط لتحل محلها صورة واقعية مظلمة. وإبهام المصطلح -في تصوري- مناسب الغاية، فهو يصف المشروع التحديثي الغربي الذى بدأ بأوهام الاستنارة المضيئة: أن يعتمد الإنسان على عقله (المادي) وحسب، فيزيل كل الغشاوات التي تراكمت عليه عبر عصور الظلام السابقة ويرفض أية غيبيات أو مثاليات أو مطلقات ليصل إلى الجوهر (المادي الحقيقى) للأشياء. وكان المفروض أن هذا سيؤدي إلى سعادة الإنسان وسيطرته على نفسه وعلى العالم، ولكن ما حدث هو العكس، إذ إن الإنسان عندما فعل ذلك وجد أن ما يهيمن هو الواحدية المادية، وأن ما فعله هو تفكيك الإنسان حين رده إلى عناصره المادية، ففقد العالم (الإنسان والطبيعة) سحره وجلاله وجميع عناصر القداسة والسر فيه وأصبح مادة محضة، وأصبح كل شيء فيه محسوبا. ويمكن السيطرة عليه وحوسلته (أي تحويله إلى وسيلة). ولذا، فإن المصطلح يترجم أحيانا بعبارة "خيبة العالم" و"تشيُّؤ العالم". وقد أدرك فيبر أيضا أن الترشيد يحد الحرية الفردية فهو يؤدى إلى التنميط ويحول المجتمع إلى قفص حديدي، خصوصا وأن الفرد فى المجتمع الحديث هو فرد مفتقد المعنى، ومن ثم فهو شخصية هشة من الداخل لا تشعر بالأمن ولا بالمقدرة على التجاوز فهي لا تقف على أرضية صلبة من المعنى. وقد وردت تنويعات على عبارة "القفص الحديدى" في كتابات جورج لوكاتش وجورج زيميل، كما أن صورة العالم كقفص حديدي صورة متواترة في الأدب الحداثي. كما بين فيبر أن الترشيد فى الإطار المادى لم يكترث بالأهداف فهو ترشيد منفصل عن القيمة value-free، ولذا ترك الأهداف بلا تحديد، بحيث أصبحت الوسائل هى الغاية وأصبح المهم هو كيف أن تنشأ طريقاً، ولايهم إن كان هذا الطريق يؤدى إلى حديقة غناء أو إحدى معسكرات الاعتقال والإبادة. وقد وصف فيبر هذا المجتمع الحديث المنفصل عن القيمة الذى تم ترشيدة فى الإطار المادى، في عبارات تنم عن تشاؤمه الشديد فالترشيد في تصوره سيفرغ المجتمع من أي دلالة أو معنى ويحوله إلى مجموعة من المعادلات الرياضية، وبذا يسود المجتمع ككل ظروف المصنع، بمعنى أنه سيصبح منظما كفئا يشبه الآلة التي تجبر الأفراد على أن يشغلوا أماكن محددة لهم ومقررة مسبقا ويقوموا بأدوار مرسومة، بحيث "يصبح كل إنسان ترسا صغيرا في الآلة، ولأنه يدرك ذلك، سيكون همه الأوحد هو أن يصبح ترسا أكبر". ثم يضيف فيبر: "لا أحد يعرف من سيعيش في هذا القفص في المستقبل، أو لعله في نهاية هذا التطور الرهيب سيظهر أنبياء جدد تماما، أو قد تُبعث الأفكار والمثاليات القديمة. أو إن لم يحدث شيء كهذا، سيسود تحجر آلى، موشى بنوع من إحساس متشنج بأهمية الذات. عن هذه المرحلة الأخيرة لهذا التطور الحضاري يمكن أن نقول عن حق: "متخصصون لا روح لهم، حسيون لا قلب لهم. وهذا اللاشيء سيتصور أنه وصل إلى مستوى من الحضارة لم يصل إليه أحد من قبل". ونزع السحر عن العالم ودخول العالم القفص الحديدى ليس سوى النتائج الأولى السلبية من منظور فيبر، إذ يوجد نتائج أخرى من أهمها أزمة المعنى (والقيمة). فالإنسان الحديث بعد أن يقوم بترشيد عالمه وبعد أن تهيمن عليه القوانين العلمية سيكتشف أن عالميه العام والخاص قد أصبحا لا معنى لهما. فصياغة القوانين العلمية بدقة بالغة والمعرفة العلمية والتنظيم الرشيد قد تساعد كلها على التوصل إلى الطرق المناسبة لإنجاز الأهداف الاجتماعية ولكنها لا تساعدنا على الاختيار بين قيم مطلقة أو أهداف متناقضة أو على اتخاذ قرارات أخلاقية. فالعلم فى نهاية الأمر لا علاقة له بقضية اختيار الحياة الفاضلة، فثمة هوة شاسعة بين المعرفة العقلانية والحكم الأخلاقي. "ولذا كل ما يمسك به الإنسان دائما مؤقت وليس محدد ونهائي". وإذا كان فيبر قد عبر عن تشاؤمه بخصوص عمليات التحديث والترشيد فى الاطار المادى، فإن رورتى يرصد هذه العملية ذاتها ولكن بحياد شديد بل ويرحب بها فيقول إن التحديث مشروع نزع الألوهية عن العالم (بالإنجليزية: دي ديفينايزيشن بروجكت dedivinization project) وهو يعني ألا يعبد الإنسان شيئاً ولا حتى ذاته، ولا أن يجد في الكون أي شيء مقدَّس أو رباني أو حتى نصف رباني. ومن ثم، لا يوجد مقدَّسات أو محرَّمات من أي نوع، فلا حاجة لتجاوز المعطى المادي (الزماني المكاني). فالإنسان يوجد في عالمه المادي لا يتجاوزه، وهذا العالم هو مستقر كل القوانين التي يحتاج لمعرفتها. ثم يبيِّن لنا رورتي النتائج المنطقية لهذا الموقف بقوله ”إن الحضارة العلمانية الحديثة لن تكتفي باستبعاد فكرة القداسة أو بإعادة تفسيرها بشكل جذري، وإنما ستهاجم الذات الإنسانية نفسها كمصدر الحقيقة. فهي ستهاجم فكرة ”تكريس الذات للحق (الحقيقة)“ أو ”تحقيق الحاجات العميقة للذات“، كما ستبيِّن أن مصدر المعنى ليس كلاً متجاوزاً وإنما هو إنسان، والإنسان كائن حادث زمني متناه، أي أنه ليس مصدراً جيداً للحقيقة. ويبيِّن لنا رورتي بعض النتائج المنطقية الأخرى للتحديث في الإطار المادي، فالتحديث هو إيمان عقلاني مادي بالتقدم وإيمان بالمستقبل الذي سيتحقق فيه التقدم، الذي أصبح المعيار الواحد والوحيد. ولكن التقدم مجرد حركة مستمرة لا متناهية، وهو ما يعني سقوط الثبات. وانطلاقاً من أرضيتنا الحديثة العقلانية المادية، فإن العقل سيقوم بعملية نقدية صارمة لمسلماتنا العقلية وموروثاتنا الثقافية ولن نقبل من التاريخ إلا ما يتفق مع نماذجنا العقلية والمادية، والرؤية التحديثية المادية تُعرِّف ”الزمان“ و”المكان“ و”الآن وهنا“ كمقولات مجردة، كصيرورة لا معنى لها، كعلامة على ماديتنا، ولكنها لا تقبل التاريخ أو الذات ولا تعرفهما لأنهما يحتويان مخزوناً لقيم تغاير ما في وقعنا المادي وما في نماذجنا العقلانية المادية وتتحداها. وعلى هذا، فإن التحديث (بالنسبة لرورتي وآخرين) هو نسيان نشط للتاريخ والذات، أي أنه تجريد للإنسان من ذاكرته التاريخية بعد أن جُرد من مكانته الأنطولوجية. وهكذا، تم ضرب الذات الإنسانية، ولم يبق من الإنسان شيء، لا مقدرته على الإدراك المبدع للواقع ولا الذاكرة التاريخية. ولذا، لا غرو أن المشروع التحديثي قد حوَّل الإنسان من غاية إلى وسيلة. وهناك كثير من آليات التحديث، مثل الدولة المركزية أو السوق القومية أو الترشيد، تستقل عن الأهداف الإنسانية، مثل إشباع حاجات الإنسان وتحقيق الكفاية والأمن له ... إلخ، لتصبح غايات وتهيمن على الإنسان وعليه أن يذعن لها. ولكن الأمر لم يتوقف عند هذه النقطة، إذ تم ضرب فكرة الكل الثابت المتجاوز المادي الذى تم تجريده من الواقع المادى الموضوعي. فالواقع، من المنظور التحديثي، في حالة حركة دائمة وتغير دائم، فالتغير هو الصفة الثابتة الواحدة لعالمنا، سجن الزمان والمكان. بل إن هدف الفكر التحديثي هو تحرير الإنسان من الثبات ومن آثار المطلقات ومن الإيمان بأنه يوجد حق في نفسه ولنفسه، وأنه توجد حقيقة تتسم بقدر من الثبات، فكل الأمور نسبية لا قداسة لها لأنها في حالة حركة. والواقع الموضوعي المتحرك هو واقع لا يمكن رصده ولا الإمساك به، لا ثوابت ولا مطلقات معرفية أو أخلاقية فيه، فالمرء لا يمكن أن يستحم في نفس النهر مرتين. وفي فلسفات دعاة ما يسمى الاستنارة المظلمة الذين رفضوا مثل الاستنارة المضيئة، نلاحظ نفس هذا الهجوم الشرس على كلٍّ من الذات الثابتة المتماسكة أو على الموضوع الثابت المتماسك، أو على أي محاولة للوصول إلى كليات ثابتة متجاوزة. ومنذ البداية، قال هوبز أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان وأن الواقع هو حلبة صراع للجميع ضد الجميع، أي أنه اكتشف منذ البداية جرثومة التفكيك داخل المشروع التحديثي، وتبعه كثير من الفلاسفة الماديين الذين يفككون إما الذات أو الموضوع أو كليهما، مثل إسبينوزا والفلاسفة الماديين في فرنسا الذين يفككون الذات الإنسانية تماماً، ومثل الفلاسفة التجريبيين والمثاليين (هيوم وبركلي) الذين يفككون الموضوع، وبنتام الذي ذهب إلى أنه لا يوجد مطلقات أخلاقية وأن سلوكنا الأخلاقي يمكن تفسيره مادياً في إطار المنفعة واللذة، ثم داروين الذي ذهب إلى أن العالم في حالة حركة وتطور وصراع وإلى أن عالم الإنسان هو الآخر عالم حركة وصراع، وماركس الذي قال أنه لا ثبات إلا لقوانين الحركة وأنه يمكن رد وعي الإنسان إلى الواقع المادي وإلى العنصر الاقتصادي على وجه التحديد، وفرويد الذي قال أن إدراكنا للواقع يحكمه لا وعينا وأن لا وعينا تحكمه قوى مظلمة مثل الجنس، والذي ذهب أيضاً إلى أننا لا ندرك الحقيقة فما ندركه هو ما يتراءى لنا أنه الحقيقة، ويونج الذي قال إن لا وعينا هو لا وعي جمعي. ثم جاءت ثورة العلوم الطبيعية التي أكدت استحالة رصد الواقع الموضوعي واستحالة تجاوزه. وهكذا، تم ضرب الإنسان أنطولوجياً (فالإنسان إن هو إلا مجموعة من الدوافع المادية والاقتصادية والجنسية لا يختلف في سلوكه عن سلوك أي حيوان أعجم) وإبستمولوجياً (فإدراك الإنسان للواقع ليس عقلانياً وإنما تحكمه مصالحه الاقتصادية وأهواؤه الجسمية). وتم تسديد ضربة لفكرة الواقع الموضوعي والمطلقية المعرفية والأخلاقية إذ لا ثبات في الطبيعة أو المجتمع أو الذات الإنسانية، وإنما هو تغير مستمر وصراع دائم، أي اختفاء كل من الطبيعة الإنسانية والمادية. ولكن مع هذا، فإن المشروع التحديثي فى الاطار المادى – كما أسلفنا- يفترض وجوده معنى لمسار التاريخ، كما يفترض وجود ذات عاقلة وعقل قادر على التمييز وعلى إدراك سنن الطبيعة، وقوانينه، وأن ثمة ثنائية تكاملية بين الإنسان والطبيعة وأن ثمة لغة رشيدة يمكننا من خلالها التواصل والحوار من أجل الوصول إلى حقيقة كلية. ويفترض المشروع التحديثي وجود منظومات معرفية وأخلاقية ثابتة ودرجة عالية من اليقين ومعيارية ما وإيماناً بأن التاريخ يزودنا بمعرفة تزيد من وعي الإنسان وتساعده على التقدم. ولكن كل هذا يعني ظهور المطلقات والثبات والتجاوز والمقدَّسات، وبلغة ما بعد الحداثة فإن هذا يعني أن ثمة حقيقة كلية وقصة إنسانية عظمى ومرجعية نهائية، وهذا يعنى أن الحداثة لاتزال متمركزة حول اللوجوس logo-centric، أى ترى أن العالم له مركز ومن ثم فهى ملوثة بالميتا فيزيقا. وقد أدرك نيتشه تماماً أن الحقيقة الكلية مرتبطة بالتجاوز والميتافيزيقا، وبعودة الثابت والمقدَّس و الرباني مرة أخرى، مما يعنى أن الإله الذى أعلن وفاته لاتزال ظلاله معنا، متمثلة فى وجود كليات وأخلاقيات وأهداف متجاوزة للصيرورة. ولكن هذا أمر غير مقبول داخل إطار مادي، ففي داخل هذا الإطار لا مناص من قبول أطروحات الاستنارة المظلمة التي تحاول أن تمحو ظلال الإله، فهذا هو مصير الإنسان الموجود في الزمان والمكان بعد موت الإله، ولا داعي للتمحك في ظلاله. والأمل التحديثي هو هذا التمحك، وهو أمل جبان غير قادر على قبول وضع الإنسان في عالم الصيرورة المادية. وهذه المنظومات المعرفية والأخلاقية العقلانية هي مؤامرة الضعفاء على الأقوياء من أبناء الطبيعة. لكل هذا، أعلن نيتشه فلسفة القوة الشجاعة التي لا تعرف الضحك أو البكاء ولا تكترث بالضعفاء، لأنه لا يوجد لا ذات ولا موضوع، ولا داخل ولا خارج، ولا ظاهر ولا باطن، ولا دال ولا مدلول، ولا مقدَّس ولا مدنَّس، ولا حلال ولا حرام، ولا حقائق ولا حق ولا حقيقة، وإنما صراع بين قوى مظلمة ظالمة يُحسم بطريقة مادية طبيعية. وفي إطار فلسفة القوة، لا توجد لغة تواصلية إذ أن إرادة القوة هي التي تربط السبب بالنتيجة والدال بالمدلول وتصبح هي مبدأ التماسك أو السيولة في العالم ومصدر المعنى أو اللامعنى. وهذه هي فلسفة الواحدية المادية لا يتجاوزها أحد، والتي تؤكد تناهي الإنسان داخل الزمان والمكان والتي تؤدي إلى اختفاء لا المرجعية الإنسانية وحسب بل المرجعية الموضوعية ذاتها (أي كل المرجعيات وأي مركزية وأي كل مادية متجاوز)، فالمادة حركة والحركة لا تعرف التمييز بين مركز وهامش وبين معنى ولا معنى وبين القيمة والعدم. وكان نيتشه يدرك تماماً أن دعوته لإزالة ظلال الإله هذه، والتخلص من الكل المادي المتجاوز ومن كل من الذات والموضوع، أساس الأنطولوجيا الغربية، لم تكن من بنات أفكاره وإنما كانت كامنة في الجذور الفلسفية للمشروع التحديثي العقلاني المادي. إن التحديث العقلاني المادي يصدر عن تأكيد زمنية ومكانية ومادية كل شيء، وإخضاع كل شيء، بما في ذلك الإنسان، لعمليات الترشيد العقلاني المادي في إطار معايير عقلانية صارمة. وعملية التحديث متتالية تحققت تدريجياً. وتحققها التدريجي هذا يعني التصاعد التدريجي والمستمر للواحدية المادية إلى أن تسيطر تماماً. ولذا، فإن ثمة تراجعاً مستمراً عن الفلسفة الإنسانية (الهيومانية) وعن ثنائية الإنسان والطبيعة وعن الإيمان بالثبات والتجاوز، وهو في واقع الأمر تصاعد مطرد للواحدية المادية وتصفية لكل الثنائيات والخصوصيات والهويات والثبات. ولعل ما يسمى التلاقي (بين النظم الرأسمالية والاشتراكية)، وهيمنة النماذج البيروقراطية والكمية، وإزاحة الإنسان عن المركز، والتسلع، والتحييد، والتشيؤ، والاغتراب، ونزع القداسة عن العالم، وإنكار الجوهر الإنساني، والهجوم على الطبيعة البشرية، والنظام العالمي الجديد... إلخ هو تعبير عن نفس الظاهرة وليس مجرد انحرافات عن مسار التحديث وعن جوهره. الصهيونية والنازية والحداثة المنفصلة عن القيمة أشرنا من قبل إلى أن الحداثة هى استخدام العلم والتكنولوجيا والعقل المنفصلين عن القيمة آليات للتعامل مع الواقع، مما يعنى أن العالم فى حالة صيرورة دائمة، وتغير مستمر ولا غاية لهما، فلا ثبات لأى شيء، لا الواقع، ولا القيم، ولا الطبيعة البشرية ذاتها، وقد عُرِّف الإنسان الحديث بأنه إنسان قادر على تغيير قيمه وأولوياته بعد إشعار قصير، فهو تبد واضح وتبلور صريح للصيرورة المادية. إن عالم هذه الحداثة لا تحكمه سوى إجراءات منفصلة عن القيمة، وهذا يؤدى بدوره إلى أن ما يسود العالم هو النسبية المطلقة. ولكن حينما تسود النسبية ويتحرر العالم من القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية، تظهر قيمة واحدة قادرة على حسم الأمور، وهى القوة! ولذا فنحن نسمى الحداثة المنفصلة عن القيمة بأنها الحداثة الداروينية. ونحن نذهب إلى أن كلا من الصهيونية والنازية هما تعبير عن هذه الحداثة. فالصهيونية حركة استعمارية استيطانية إحلالية استخدمت مجموعة من الأساطير لتجنيد الجماهير اليهودية. وتتسم هذه الأساطير بأنها منفصلة عن الواقع الإنسانى والتاريخى وعن أية منظومة قيمية وأية معايير إنسانية هيومانية أو دينية يمكن الاحتكام إليها، ومع هذا لاقت من التعاطف فى العالم الغربى ما لم تلقه حركة سياسية أخرى. وهذا يعود – دون شك – لأسباب عديدة من بينها ومن أهمها حاجة الغرب لقاعدة عسكرية ضخمة تخدم مصالحه، والكيان الاستيطانى يقوم بهذه المهمة على أكمل وجه. ولكن من الأسباب الأخرى أن الأيديولوجية الصهيونية لا تتعارض مع قيم حضارة الإجراءات المنفصلة عن القيمة وحضارة الصيرورة الدائمة والنسبية المطلقة. والصهيونية، أيديولوجية الإجراءات بالدرجة الأولى، بدأت نشاطها بأن أنكرت التاريخ العربى فى فلسطين – أى العنصر الأساسى الثابت من مكونات الواقع الفلسطينى، فاكتسحت الصيرورة فلسطين وأصبحت مجرد أرض. ولكن رغم هذه النسبية المطلقة إلا أننا نجد أنها موجهة نحو الفلسطينيين وحسب، فإحساس الفلسطينى نحو فلسطين وطنه، أمر يجب عدم الاكتراث به. أما إحساس اليهودى نحو نفس المكان، حتى ولو كان هذا اليهودى مواطنا فى الولايات المتحدة، فهو أمر يجب احترامه (لأنه يخدم المصالح الغربية وهو جوهر المشروع الصهيونى)، أى أن النسبية المطلقة تمتد لتبتلع العرب ولكنها لا تطال الصهاينة بأية حال، لأنهم فى الاطار المادى أصحاب المدفع الداروينى الأمريكى الضخم. وقد كتب لود فيج جومبلوفيتش، عالم الاجتماع النمساوى اليهودى، إلى تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، يسأله مستنكرا: هل تريد أن تؤسس دولة بدون أن تسفك دماء، بدون عنف أو مكر؟ ويوميات هرتزل زاخرة بتأملاته فى الإجراءات (المتحررة من القيمة) اللازمة للتخلص من الفلسطينيين. وقد اقترح ماكس نوردو، صديق هرتزل وأحد مؤسسى الحركة الصهيونية، بعض اجراءات المنفصلة عن القيمة لتحقيق الحلم الصهيونى مثل تكوين جيش قوامه 100 ألف يهودى لغزو أرض الميعاد "وتحريرها" من سكانها الأصليين. وقام حاييم وايزمان، أول رئيس للدولة الصهيونية، بوضع المخططات الدقيقة (أى اتخذ الإجراءات اللازمة المنفصلة عن القيمة) لطرد العرب و"تنظيف" فلسطين من سكانها (على حد قوله). هذا إذن هو الجزء المكمل للنسبية المطلقة، أن يقوم أحد الأطراف باستخدام الإجراءات المنفصلة عن القيمة بحيث يخلق "أمرا واقعا أو حقائق جديدة" (على حد قول موشيه ديان)، أى أن ما يحسم الأمور فى نهاية الأمر هو العنف الصريح والقوة الغاشمة (وفى هذا عودة للأصول الوثنية لأخلاق الصيرورة، وعودة لمكيافلى الذى نطالع وجهه الكئيب فى كل الكتابات الصهيونية). وكما قامت جولدا مائير إن رصاصة واحدة أكثر فاعلية من كل قرارات مجلس الأمن، وكما قال شارون مالم يؤخذ بالقوة يؤخذ بمزيد من القوة! ولا يمكن فهم الكثير من "الحلول" الإسرائيلية للمشاكل إلا فى إطار هذا الموقف المعرفى الحداثة الداروينية المنفصلة عن القيمة. ويمكن أن تجد نفس النمط فى الهولوكوست فمن المعروف أن أفران الغاز لم تشيد فى بداية الأمر من أجل اليهود وإنما من أجل العجزة وضعاف العقول وغيرهم من الناس عديمى الجدوى وعديمى الفائدة الذين كان يطلق عليهم اصطلاح "أفواه تأكل ولا تنتج" ."useless eaters" ولا يمكن الاعتراض من منظور مادى إجرائي منفصل عن القيمة، على أفران الغاز فهى لن تقضى على شيء نافع من منظور مادى، وإنما ستقضى على شيء لا نفع من ورائه بعد اتخاذ الإجراءات اللازمة، أى دراسات الجدوى العلمية المادية المحايدة المنفصلة عن القيمة. ثم استخدمت أفران الغاز بعد ذلك للقضاء على الجنود الألمان الذين كانوا يسقطون جرحى فى المعارك، لأن عملية تمريضهم وإطعامهم كانت تمثل عبئا على الاقتصاد الوطنى. ثم طبق هذا المنطق العلمى المادى بعد ذلك على اليهود باعتبارهم أقلية عديمة الفائدة. فيهود شرق أوروبا، الذين تدفقوا على ألمانيا، كانوا يمثلون عبئا على الاقتصاد الوطنى الألمانى، فأعداد كبيرة منهم كانت لا تمتلك المهارات التى يتطلبها الاقتصاد الألمانى، كما أنهم كان بينهم نسبة كبيرة من المشتغلين بالمهن الهامشية مثل الدعارة وتهريب المخدرات. ولكن هذا كله لا يهم، فمربط الفرس هو رؤية ذهبت إلى أن اليهود لا يصلحوا أن يكونوا جزءا من المشروع النازى لإعادة بناء ألمانيا. وقد ساند موقفهم هذا ودعمه مجموعة من البحوث العلمية التى أنجزها مجموعة هائلة من العلماء النازيين "العباقرة". وقد حاول النظام النازى جاهدا، فى بداية الأمر، التخلص من يهود شرق أوروبا (خاصة بولندا) بإرسالهم فى إلى بلادهم، لكنها أوصدت أبوابها دونهم، (مثلما فعلت الولايات المتحدة من قبل ومن بعد). بعد دراسة الجدوى وبعد محاولة التخلص منهم بالوسائل العادية أصبح من الضرورى اتخاذ إجراءات أخرى ضد اليهود وغيرهم من العناصر التى لا تتسم بالكفاءة مثل الغجر وأبطال المقاومة فى فرنسا. كانت معسكرات الاعتقال النازية قمة (أو هوة) من قمم انتصار الكفاءة والإجراءات المنفصلين عن القيمة. فالمعسكرات كانت تقع على مقربة من بعض المدن وليس داخلها، ربما لتحاشى تعطيل المرور وحتى يتم نقل المعتقلين بسهولة ويسر. ولعل العناصر الأمنية لعبت هى الأخرى دورها. وحينما كان يصل المعتقلون هناك فالإجراءات كانت فى غاية الدقة والرشد، إذ كان يقسم اليهود إلى أطفال وعجائز ونساء وغير قادرين على العمل، ثم رجال ونساء قادرين على العمل. وكان كل معتقل يعطى رقما حتى يسهل تصنيفه والاستفادة منه على أكمل وجه. وكان المعتقلون يقفون صفوفا حتى تتم عملية فرزهم لتقرير الصالح من الطالح والنافع من عديم الجدوى، بل وكان يفرض عليهم القيام ببعض التمرينات الرياضية حتى يحتفظوا بمستوى عال من اللياقة البدنية. وكان مدير المعسكر يحاول أن يعظم الربح بكل الوسائل الممكنة مثل أعمال السخرة بالنسبة للقادرين على العمل. أما العناصر عديمة الفائدة، فكان يتم تصفيتها، ولكن ما تبقى منها، أى الجسد الإنسانى، فإنه كان يتم توظيفه بطرق مختلفة: حشو الأسنان الذهبى يرسل للخزانة الألمانية ليساعد على ازدهار الاقتصاد الوطنى، أما الشعر البشرى فيصنع منه فرش أحذية من أجود الأصناف، ويقال أن الشحم البشرى كان يستخدم فى صناعة بعض أنواع الصابون. وكما أشرنا من قبل كان الأمر كله يتم فى هدوء وموضوعية شديدة، فمدير المعتقل كان يجلس فى غرفته مع أسرته يستمع إلى موسيقى فاجنر ويتمتع بمنتجات الحضارة، لكن دون أن يشعر بأية أعباء أخلاقية تجاه الذين يحرقون في أفران الغاز، فموسيقى فاجنر يجب ألا تفضى به إلى التسامى والحكم على ما حوله وإنما هى جزء من الصيرورة وحسب – هى متعه وتوتر وتجربة عميقة، تماما مثل دراسة الأطباق الطائرة أو مشاهدة فيلم من أفلام الخيال العلمى. كل شيء كان يتم فى جو علمى معملى رهيب. ويقال، على سبيل المثال، إنه بينما كانت صفوف الضحايا مصطفة مرة فى طريقها لتلاقى حتفها، ضرب أحد الجنود الألمان واحدا منهم، فعنفه رئيسه لأن الإجراءات يجب أن تتم حسب القواعد المرعية ولا يوجد فيها مجال للعاطفة، فالعاطفة شيء خطر للغاية خارج عن الصيرورة. إن الحضارة النازية هى الحضارة الحديثة التى عبرت عن الحداثة المنفصلة عن القيمة حق التعبير وهى الحضارة التى نجحت فى نزع القداسة عن الإنسان ومحت ظلال الإله تماماً، وحكمت على الواقع بمقاييس مادية متحررة من القيمة. ولم يستثن أحد من المقصلة العلمية الإجرائية الباردة – لا العجائز ولا الأطفال ولا حتى الجنود الجرحى. ويا لها من حيادية علمية تستحق الإعجاب والتقدير، تماما مثل إعجاب الغرب بالدولة الصهيونية التى تستند صيرورتها إلى مقصلة علمية كفء صنعت فى الولايات المتحدة! الإمبريالية والاستهلاكية من المفاهيم المحورية في الحداثة المنفصلة عن القيمة الليبرالية الاقتصادية، والإيمان الكامل باقتصاديات السوق الحر، الذي تتحكم فيها قوانين العرض والطلب المنفصلة عن القيمة وعن أي غائية إنسانية. وقد أدى هذا إلى تحول الإنتاج من وسيلة إلى غاية. ولنلاحظ كيف تتحول الوسائل في سياق الحداثة المنفصلة عن القيمة إلى غايات، فبدلا من التقدم كوسيلة للوصول إلى شيء ما يصبح التقدم غاية في حد ذاته، وبدلا من النمو حتى نصل إلى نقطة ما، يصبح النمو غاية في حد ذاته، وبدلا من التغير كوسيلة لتحقيق هدف ما يصبح التغير هدفا في حد ذاته. وبدلاً من الصيرورة التي تؤدي إلى كينونة أصبحت الصيرورة هدفا في حد ذاتها وهكذا، وأعتقد أن هذه السمة تشكل البنية الكامنة للحضارة الغربية الحديثة ومنتجاتها الثقافية ابتداء من سيل الأغاني الذي لا ينتهي وانتهاء بالفن المجرد ومسرح العبث والبنيوية، فهي كلها – إن دققنا النظر – فنون الصيرورة والإجراءات التي انفصلت عن الكينونة والأهداف والقيمة. وحين يصبح الإنتاج هدفاً في حد ذاته فإن هذا سينجم عنه سيل من السلع تتطلب أسواقا، وقد ترجمت هذه الصيرورة نفسها إلى التوسع الرأسمالي الصناعي ثم التوسع الرأسمالي الإمبريالي الذي تطلب تسخير العالم بأسره لخدمة الآلة الصناعية في الغرب. ولم يحدث من قبل أن حضارة ما أدخلت العالم في حربين عالميتين متتاليتين، وأبادت شعوب قارة بأكملها (هنود أمريكا الشمالية) واستعبدت شعوب قارة أخرى ”(أفريقيا) واسترقت الملايين منهم ونقلتهم ليعملوا في ظروف غير إنسانية ثم تحولت قارة ضخمة ذات حضارة عريقة (مثل آسيا) إلى سوق لسلعها مثل المنسوجات القطنية الإنجليزية في الهند والأفيون في الصين، وحاولت تحطيم تقاليد هذه القارة وتراثها، ثم تحولت هذه الحضارة الآن إلى أكبر مصدر لأسلحة الفتك والدمار، وخلقت نمطا اقتصادياً أهم منتجاته هي السلاح وأدوات الفتك، فالأسلحة الحديثة تتميز بأنها سلعة تُستهلك دون استخدامها وبالتالي يمكن إنتاجها بوفرة وبلا حدود، بل إنها كثيرا ما تفقد فاعليتها أثناء عملية إنتاجها ذاتها، وكثيرا ما يعرف المشتغلون بعملية الإنتاج هذه الحقيقة. وبالتالي لو أردنا تجسدا لصيرورة كاملة ولإجراءات لا غاية لها ولا نتاج كنهاية في حد ذاته فإن صناعة السلاح في الغرب تقترب من هذه الحالة الفلسفية أو النفسية المستحيلة: إذ تحشد كل الإمكانات وتوضع أدق الخطط لإنتاج سلعة من المعروف مسبقا أنها قد لا تنتج، وأنها لو أنتجت قد لا تستخدم، وإن استخدمت فستكون المرة الأولى والأخيرة! وإذا كانت الشعوب التي يقال لها بدائية تنتج لتستهلك، وإذا كانت الشعوب التي يقال لها متقدمة تنتج وحسب، فإن الشعوب التي يقال إنها بلغت قمة التقدم تستهلك لتنتج، بل وتشجع الاستهلاك لتصريف المنتجات ثم تنتج المزيد من السلع لإشباع الاستهلاك وهكذا. وهذه الدائرية الكاملة، الصيرورة المغلقة المطلقة، هي ولا شك شكل من أشكال جهنم وتسمى الاستهلاكية العالمية global consumerism أعلى مراحل المادية الرأسمالية والاشتراكية، والنقطة التي يحدث عندها اللقاء بين النظامين، فكلاهما قد دخل في سباق لاهث من أجل زيادة الإنتاج والاستهلاك. وكان من المحتم أن ترتطم الإمبريالية بحدود المكان، فهي في نهاية الأمر تمدد جغرافي، يصل منتهاه بالاستيلاء على كل أسواق العالم كما حدث مع بداية القرن العشرين. ولذا كان لابد للآلة الجهنمية أن تجد لنفسها مخرجا في الاستهلاكية التي تشارك الإمبريالية كثيرا من سماتها، ولكنها تختلف عنها في أنها لا حدود لها. فالاستهلاكية توسعية تماماً مثل الإمبريالية، إذ أنها تحول الإنسان ذاته إلى سوق بلا قرار يمكن أن تلقي فيه بالسلع، وكلما زادت عجلة الإنتاج في الدوران وقف الإنسان، لا في مركز الكون كما هو الحال مع الفلسفات الإنسانية، وإنما مثل الثقوب السوداء في الفضاء التي تمتص كل شيء وينعدم فيها المكان والزمان. ولكن الاستهلاكية تمتاز عن الإمبريالية في أن مجالها هو النفس البشرية إذ أن فلاسفة هذه النزعة اكتشفوا حقيقة أساسية اكتشفها آخرون من قبل (فقهاء وعلماء اجتماع أو شعراء) وهي أن النفس البشرية لا تشبع قط، وأنها في غياب الحدود يمكنها أن تتمدد دون توقف إلى أن تفنى نفسها فيما حولها وفيما تشتهي. ولكن بالنسبة للفقهاء والعلماء والشعراء كانت هذه الحقيقة هي مصدر النكبة، أما بالنسبة لفلاسفة الاستهلاكية فهي تمثل نقطة ثبات تصلح أساساً فكريا ونفسيا لفلسفتهم. ولذا بدلا من إرسال الجيوش الإمبريالية لآسيا وأفريقيا لفتح الأسواق، تطلق أدوات الترويض المختلفة مثل البرامج التليفزيونية، والأفلام، والموضة (أو جماليات الصيرورة) لفتح الإنسان ولغزوه وقهره. وبدلا من النظرية العنصرية والتفاوت بين الأجناس التي استخدمتها الإمبريالية العسكرية لفتح الأراضي والقارات، تستند الاستهلاكية (أو الإمبريالية النفسية) إلى نظريتها في الطبيعة البشرية فهي تنكر عليها أي ثبات وترى أنها في حالة صيرورة دائمة ولا تفرق بين أبيض وأسود أو أصفر، فكلهم مجرد مادة نزعت عنها القداسة تصلح للطاحونة التي تدور والتي لا تبقي ولا تذر – كلهم مادة خام محايدة صالحة: التمدد الدائم والانتشار الثابت، أو الانتشار كنقطة ثبات وحيدة، تماما كما أن النسبية هي المطلق الوحيد. الحداثة المنفصلة عن القيمة و الحياة اليومية من الملحوظ أن نموذج الحداثة المنفصلة عن القيم خاصة بعد عام 1965 هيمن على كل مجالات الحياة المهم منها وغير المهم، المركزي منها والهامشي، وأحكم قبضته وأصبح هو أساس الخريطة الإدراكية للإنسان الغربي الحديث، وكثير من شعوب العالم الثالث خاصة النخب الحاكمة. وصورة الإنسان الكامنة في الحداثة المنفصلة عن القيمة هو الفرد صاحب السيادة الكاملة، مرجعية ذاته، والهدف من الوجود بالنسبة له تحقيق النفع الشخصي وتعظيم المتعة وزيادة اللذة. فهو إما إنسان اقتصادي أو إنسان جسماني أو خليط منهما، وهو في جميع الأحوال إنسان طبيعي/ مادي لا علاقة له بالخير أو بالشر أو بأي قيم تقع خارج نطاق الحواس الخمسة! وهنا تكمن المفارقة، فهذا الإنسان الذي يرى أنه مرجعية ذاته يذعن تماما للقانون الطبيعي المادي الذي يقع خارجه! وثمة تبديات عديدة نموذج الحداثة المنفصلة عن القيمة في حياتنا اليومية. انظر على سبيل المثال إلى الموقف الحديث من الجسد. يتحول جسد المرأة إلى شيء محايد منفصل تماماً عن القيمة value-free لاقداسة له ولا علاقة له بأي زمان أو مكان. ويتطور هذا ليصبح ملكات الإغراء الجنسي (بالإنجليزية: سكس كوينز sex queens)، وهن إناث يصبحن جسدا محضا (تماما مثل رامبو، فهو أيضا جسد محض لا علاقة له بالخير أو الشر) ومن أهم ملكات الإغراء: مارلين مونرو، وبرجيت باردو، ومادونَّا- التي تصرح في إحدى أغانيها أنها تعيش في عالم مادي، ولذا، فهي فتاة مادية. وبطبيعة الحال يتطور هذا لتصبح العاهرة التي يتحول جسدها حرفيا إلى سلعة. ولعل ما يسمى "الجنس العَرَضي" (بالإنجليزية: كاجيوال سيكي Casual sex) والذي أشير إليه أحيانا بأنه "الجنس الفوري" (بالإنجليزية إنستانت سيكس instant sex) تعبير عن انفصال الجنس عن القيمة. فالجنس العَرَضي (ابن اللحظة التي يتحقق فيها ولا يتجاوزها) يعبِّر عن رغبة الإنسان في أن يُشبع رغباته الجنسية في أي وقت ومع أي شخص، خارج إطار أية تركيبية إنسانية خاصة بالعواطف والطمأنينة والفردية، وخارج إطار القيم والمثاليات الأخلاقية والاجتماعية. وهو يأخذ شكل علاقة جسدية مؤقتة تهدف إلى الإشباع (الجسدي المادي) المباشر دون إرجاء أو تأجيل. ولكن الجنس العَرَضي يعبر أيضا عن عدم الاكتراث بأية قيم جوانية إنسانية أو خصوصية فردية، (وهو في هذا يشبه الطعام التيك أواي). فاللقاء الجنسي يتم دون اهتمام بعواطف الآخر أو بأي هدف يتجاوز اللذة الجسدية المباشرة الطارئة. ومصدر الشرعية (أو القيمة إن شئت) في هذا الضرب من الجنس مدى كفاءة الشخص في الأداء الجسماني ومدى نجاحه في تحقيق اللذة لنفسه وللآخر، أو للآخر بمقدار ما يحققه لنفسه. وفي إطار انفصال الجنس عن القيمة يعتبر البغاء على سبيل المثال مجرد نشاط اقتصادي، وتُسمى البغي "عاملة جنس" (بالإنجليزية: سكس وركر sex worker)، فهي إنسان يقوم بكسب لقمة العيش لقاء جهد عضلي يبذله. وكان الهدف من الرداء في الماضي هو تغطية الجسد، ولكنه انفصل هو الآخر عن القيمة، وأصبح هدفه جذب الأنظار إلى الجسد وتعميق الإحساس باللذة والتسخين الجنسي. ومن هنا ظهور الميني سكيرت التي تقترب من حالة الطبيعة، و"الميكروسكيرت" التي تعلن نهاية التاريخ والحضارة والملابس. كما ظهرت مؤخرا أشكال أكثير عريا من الملابس النسائية في الغرب مثل ما يسمى "فوق البطن" (بالفرنسية: دمي فانتر demi-ventre) التي أخذت تنتشر في بلاد العالم الثالث وأصبحت علامة على سعة الأفق والتفتح ومواكبة التطور!. ومن أهم تبديات الحداثة المنفصلة عن القيمة التقاليع (أي الموضة) التي تعني الرغبة الدائمة في تغيير الزي مرتين على الأقل كل عام، فهي تجسد رؤية العالم كمادة متحركة، وأن الهدف من الوجود الإنساني هو الاستهلاك المستمر. ويلاحظ أن كثيرا من مصممي الأزياء من الشذاذ جنسيا (ومن أشهرهم فرساتشي الذي قتله صديقه عام 1997). ويقال إن حوالي خمسة منهم ماتوا بالإيدز في عام واحد، ولكن القائمين على صناعة الأزياء نجحوا في حجب الخبر حتى لا تُضار الصناعة وحتى لا تتأثر الأسعار. ودلالة كل هذا هو انفصال هذه الصناعة عن المعايير الأخلاقية والدينية والإنسانية. ولا شك أن تناول الطعام عملية فيزيقية، فهل يمكن القول إنه هو الآخر تم فصله عن القيمة؟ فلنحاول تطبيق نموذجنا التحليلي. الوجبة التي تعدها الأم بطريقة خاصة وفريدة يأكلها أفراد الأسرة في جو تراحمي يقوي أواصر الصلة بينهم ويزيد المجتمع تماسكا والفرد انتماء. في مقابل ذلك يظهر ما يمكن تسميته "الطعام البراني" أو "التيك أواي"، وهو طعام منفصل عن قيم التراحم والأسرة ويحكم عليه من منظور السرعة والسهولة والنمطية، وهو طعام يُعد بطريقة نمطية جمعية، ولا شخصية له، يشتريه الإنسان عادة من أنثى (البديل الحديث للأم) تبتسم له بطريقة نمطية بلاستيكية معقمة. وهو عادة ما يلتهم طعامه وهو يلهث من عمله إلى منزله (أو العكس)، بل قد يبتلعه وهو أمام التليفزيون. ويمكن القول بأن الهامبورجر (من هذا المنظور) هو قمة الانفصال عن القيمة بالنسبة للطعام، فهو يشبه الوقود الذي يضعه الإنسان في سيارته حتى يستمر في العدو، فالهامبورجر مادة استعمالية عامة، لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، فهو ظاهر دون باطن، شيء عام لا خصوصية له، لا يختلف كثيرا عن الإنسان الطبيعي/ المادي الذي يقذفه في جوفه. وتظهر أشكال الطعام الفورية (بالإنجليزية: إنستانت فود instant food)، مثل القهوة النسكافية (بالإنجليزية: إنستانت كوفي instant coffee) وما يسمى عشاء التليفزيون (بالإنجليزية: تي. في. دينر T.V.dinner) وهو طعام له طعم البلاستيك، يُخزن في فريزر الثلاجة وتقذفه ربة الأسرة في فرن الميكرويف، فيتم إعداده في دقائق ثم يقذفه أعضاء الأسرة في أفواههم وهم متراصون جنبا إلى جنب أما التليفزيون (لا ملتفين حول المائدة)، ولا ينظر الواحد منهم في عيون الآخرين. وهم لا يتحدثون سويا، ولا يأكلون من الأطباق نفسها، فكل عشاء وحدة مستقلة. الإنسان الحديث والإنسان البدائى يذهب كثير من الدارسين إلى أن المشروع التحديثي (العقلاني المادي) هو مشروع غربي بالدرجة الأولى ومن ثم يرون أن من يريد التحديث عليه استيراد النماذج الغربية. كما أن هناك من يذهب إلى القول أنه إذا كان المشروع التحديثي العقلاني المادي غربياً، فنحن إذن ”بروحانياتنا وإسلامنا“ محصنون (والحمد لله) ضده. والنموذج التفسيري الكامن في كلتا الرؤيتين هو نموذج تراكمي وليس توليدياً، يرى أن المعرفة كلها مكتسبة من الخارج (وأن المعرفة الحديثة مكتسبة من الغرب) وينكر أن بعض جوانب المعرفة الأساسية (حديثة أم قديمة) تولد من داخل عقل الإنسان نفسه. ونحن نفضل استخدام نموذج توليدي في تحليل الظواهر الإنسانية، فهو نموذج يرى تماثل بنية العقل الإنسانى بغض النظر عن الزمان والمكان وأن ثمة أفكاراً أساسية مفطورة فيه دون أن نرفض بطبيعة الحال النماذج التحليلية التراكمية التى ترى أن كل المعرفة مكتسبة. وعلى الرغم من أنه لا يمكن إنكار أن النموذج التحديثي العقلاني المادي له جذور غربية واضحة، وأنه وصل أول تحقق تاريخي له في الحضارة الغربية من خلال ظروف (سياسية واقتصادية وحضارية) خاصة به، وأنه انتقل من العالم الغربي إلى بقية العالم بل واكتسحه اكتساحاً بسبب نجاحه المادي في المجتمع الغربي (وهو نجاح يستند إلى نجاح عمليات النهب الإمبريالي)، إلا أن تفسير جاذبية النموذج التحديثي على أساس تراكمي لا يكفي لتفسير ظاهرة الاكتساح هذه. ونحن نرى أن أحد أهم أسباب نجاحه على المستوى العالمي هو أن جذوره كامنة في النفس البشرية ذاتها، فيما سميناه النزعة الرحمية وهى رغبة الجزء في الذوبان في الكل حتى يهرب المرء من أى حدود ومن ثم عبء المسئولية الخلقية والإنسانية ليصبح مثل الجنين فى رحم أمه، أو مثل الطفل الرضيع فى علاقته بثدى أمه. هذه النزعة الرحمية والرغبة في السيولة والذوبان فى كل أكبر عبَّرت عن نفسها دائماً من خلال المنظومات الحلولية الكمونية الواحدية سواء كانت روحية (وحدة الوجود الروحية) أم مادية (وحدة الوجود المادية) في إنكارها الشرس للكليات المفارقة لعالم الصيرورة وفي دمجها بين الإله والطبيعة والإنسان، بحيث يصبح العالم جوهراً واحداً لا اختلاف فيه ولا تمايز. ومن بين المنظومات الحلولية الروحية، يمكن أن نذكر الغنوصية والقبَّالاه اليهودية وغلاة المتصوفة وكثير من الهرطقات الدينية والحركات الشعبوية الشيوعية، ذات الطابع المشيحاني. ومن بين المنظومات المادية، يمكن أن نشير إلى كل الفلسفات المادية خاصةً الفلسفات المادية العدمية مثل السفسطائيين الذين لا يجدون في العالم سوى حركة. وكل هذه الفلسفات الواحدية لا تتمرد على فكرة الإله المفارق وحسب وإنما ترفض كل الكليات والتجاوز والحدود، بما في ذلك الحدود التي تحدد الإنسان كإنسان وتفصله عن الكائنات الطبيعية، ولذا فهي تذيب الإنسان كمقولة مستقلة وككائن متجاوز للطبيعة/ المادة. وقد عادت النزعة الحلولية الكمونية الواحدية وأكدت نفسها وبحدة في عصر النهضة في الغرب، فالمشروع التحديثي الغربي هو مشروع يدور في إطار المادية الكامنة، في إطار الإنسان الطبيعي الذي يعيش في الطبيعة وعلى الطبيعة، إنسان ذو بُعد واحد. ولكن المشروع التحديثي – كما أسلفنا – كان يدور في مراحله الأولى في إطار كل مادي متجاوز، ولذلك فقد أنتج فلسفات عقلانية مادية تؤله الكون – تارة تغلب الذات على الموضوع وتعلن أسبقية الإنسان على الطبيعة (تأليه الإنسان) وتارة أخرى تغلب الموضوع على الذات وتعلن أسبقية الطبيعة على الإنسان (تأليه الطبيعة) – إلا أنها في تأرجحها هذا ظلت فلسفة عقلانية تشبه ما يسميه فيبر ”الديانة العالمية“، وهي ديانة يرى فيبر أنها تستند إلى رؤية كوزومولوجي |
|
|